منوعات

من هم وجعل بينكم مودة ورحمة

من هم وجعل بينكم مودة ورحمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله، صلى الله، وسلم، وبارك عليه، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالسلام الله عليكم، ورحمته، وبركاته.


أيها الأحبة: حديثنا في هذه الليلة عن آية هي من آيات الله – تبارك، وتعالى – المتلوة، كما أن الحديث فيها يتضمن الحديث عن آية من آياته التي نشاهدها، ونجدها في نفوسنا، وفيمن حولنا، وذلك ما ذكره الله – تبارك، وتعالى – في سورة الروم حينما عدد جملة من آياته الدالة على وحدانيته، وقدرته، وجلاله، وعظمته وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم: 20] ثم ذكر بعدها قوله – تبارك، وتعالى – : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21] فهذا الحديث هو لون من التدبر، وهو لون أيضاً من الاهتداء بما جاء في القرآن من الهدى الكامل فيما يتصل بانتظام حياة الناس، وما يتعلق بأمر الاجتماع، وتقوية الأواصر، والروابط، هذا الحديث يوجه إلى الجميع، إلى الصغار، والكبار، والرجال، والنساء، إلى من قد تزوج، وإلى من لم يتزوج بعد، هذا ليس بحديث يختص بطائفة، أو فئة، أو لون من الناس، وإنما هو حديث لجميعهم؛ لأن الجميع يحتاج إلى ذلك.

وَمِنْ آيَاتِهِ الدالة على قدرته، ووحدانيته، وعظمته، وعلمه، ورحمته، وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا هذه آية، والآية لا شك أنها علامة دالة على ما سيقت لأجله، فالله ذكر ذلك في جملة آياته، فهذا الذي أورده في هذا الموضع من الآيات كل ذلك يدل على قدرة، وعلم دقيق، وحكمة بالغة، ورحمة سابغة

 أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ هذا الخطاب موجه إلى من؟

يحتمل أن يكون هذا الخطاب متوجهاً إلى الرجال خاصة، وهذا قال به جمهور المفسرين، عامة المفسرين جروا على هذا المعنى، ويحتمل أن يكون الخطاب متوجهاً لجميع الناس، لنوع الإنسان، الرجال، والنساء أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا فالزوج يقال: للرجل كما أنه يقال: للمرأة، وهي اللغة الفصيحة التي لم يستعمل في القرآن غيرها، أما لفظة الزوجة للمرأة فإن ذلك إنما جاء في الاستعمال في كلام العرب في لغيّة قليلة، أما اللغة الأفصح، اللغة الشائعة، فإن المرأة يقال لها: زوج

 

الزوج يقال: للرجل كما أنه يقال: للمرأة، وهي اللغة الفصيحة التي لم يستعمل في القرآن غيرها، أما لفظة الزوجة للمرأة فإن ذلك إنما جاء في الاستعمال في كلام العرب في لغيّة قليلة، أما اللغة الأفصح، اللغة الشائعة، فإن المرأة يقال لها: زوج

 

ولكن هذا الاستعمال الذي يتردد على ألسنتنا في هذا العصر أن نقول للمرأة: زوجة، ليس بلحن، فهو استعمال صحيح يدل عليه قول الفرزدق، وهو عربي قح، يحتج بشعره؛ لأنه في زمن الاحتجاج:

إن الذي يسعى ليُفسد زوجتي عليّ كساعٍ إلى أُسْد الشَّرى يستبيلها

***

فقال: زوجتي، فدل على أن هذا الاستعمال صحيح، ولكنه لم يرد في القرآن، إنما الذي ورد في القرآن: زوج بالنسبة للمرآة.

فالله – تبارك، وتعالى – يذكر آياته، ومن جملتها: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا فالزوج يقال لامرأة الرجل، ويقال أيضاً لرجل المرأة، وممن فسر الآية بأنها خطاب لنوع الإنسان: الطاهر ابن عاشور – رحمه الله – في كتابه المعروف في التفسير “التحرير، والتنوير” وهذا معنى تحتمله الآية؛ أن يكون الخطاب للجميع، ويؤيده ما سيأتي بعده – إن شاء الله – ويمكن أن يلتئم المعنيان في هذا الخطاب، ولا نحتاج معهما إلى الترجيح.

وَمِنْ آيَاتِهِ من آياته الدالة على ما سبق ،أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا بمعنى تناسبونهن، ويناسبنكم، وتشاكلونهن، ويشاكلنكم، كما يقوله بعض المفسرين كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله -.

أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ما المراد بذلك؟.

هذا يحتمل معنيين، وهما مبنيان على المعنيين السابقين؛ فالذين قالوا: إن ذلك مما خوطب به الرجال خلق لهم من أنفسهم أزواجاً، قالوا: حواء، خلقها الله – تبارك، وتعالى – من آدم – عليه السلام – وهذا اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير – رحمه الله –  ويشهد لهذا المعنى قوله – تبارك، وتعالى – : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [الأعراف: 189] وهي آدم عليه السلام وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الأعراف: 189] وجعل هنا بمعنى خلق، وفي صدر سورة النساء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: 1] فالله – تبارك، وتعالى – أخبر أن زوجها قد خُلق منها، فحواء خُلقت من آدم – عليه  السلام – فيكون ذلك من خطاب الرجال خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا.

والمعنى الثاني: مِنْ أَنفُسِكُمْ أي: من جنسكم، وهذا الذي ذهب إليه صاحب التفسير الكبير وبه قال ابن كثير وصاحب “التحرير التنوير” أعني الطاهر ابن عاشور قالوا: خلق لكم من جنسكم، كقوله – تبارك، وتعالى – : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة: 128] يعني: من جنسكم، يعني ليس من الملائكة، ولا من الجن، وإنما من الإنس، تفهمون عنه، وتتلقون عنه، وتشاكلونه، ويشاكلكم، ويشهد لهذا المعنى ما ذكرت من شواهد المعنى الأول، كما في قوله – تبارك، وتعالى – في سورة الأعراف: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: 189] فقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا اللام للتعليل، فذلك مؤذن بأن خلق هذا الزوج منها، من هذه النفس من أجل أن يألفها، وأن يسكن إليها، وأن يطمئن لذلك، وأن تطيب به نفسه، ويركن إلى هذا الزوج – يعني الزوجة – قال: لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم: 21] فلو كانت من جنس آخر لم يحصل هذا السكن، لو كانت من عنصر آخر، من مخلوقات أخرى فإن هذا السكون لا يحصل، ولا يتأتى؛ فالجنسان المختلفان لا يسكن أحدهما إلى الآخر بحال، ولا يميل إليه كما يعلل بذلك صاحب التفسير الكبير والحافظ ابن كثير وبهذه الآية احتج جمع من أهل العلم على من زعم إمكان التزوج من الجنية، أو التزاوج بين الإنس، والجن كما كان يدعيه بعض العرب، ويذكرونه في مختلقاتهم، القصص الخرافية، والخيالية، بأن فلاناً تزوج من الجن، أو أن القبيلة الفلانية يُنسبون إلى الجن من جهة الأم، أو نحو ذلك، كل هذا لا حقيقة له، وإنما هو من مختلقات العرب، لا صحة له، وهذا احتج به الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – على رد هذه الدعوى وكذلك أيضاً الطاهر ابن عاشور.

فالمقصود أن القول الآخر: خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أي: من جنسكم، له قرائن من القرآن تقويه، وله أيضاً وجه من النظر يؤيده، فهذان قولان، ولا شك أن حواء قد خلقت من آدم كما أخبر الله  ثم إن الأزواج، وما تناسل بعد آدم، وحواء إنما هم من جنس واحد؛ فالنساء من جنس الرجال حيث يجمعهم العنصر البشري، وذلك يحصل به من الإلف، والسكن ما لا يحصل بحال من الأحوال فيما لو اختلفت الأجناس، ومن ثَمّ فإن القول بأن ذلك في آدم، وأن ذلك في الرجال قول له ما يؤيده، وكذلك القول بأنها خطاب للجميع فذلك صحيح.

                     
السابق
من هم جعل بينكم مودة ورحمة
التالي
توفي في العام 273 هـ أحد أبرز علماء الأمة في علم الحديث، من هو؟

اترك تعليقاً